محمد سعيد رمضان البوطي

270

فقه السيرة ( البوطي )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين عينيه والتزمه ، وقال : « ما أدري بأيهما أسر ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر » « 1 » . ولما قفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عائدا إلى المدينة استعمل على خيبر رجلا من الأنصار قيل : إنه سواد بن غزيّة ، من بني عدي ، فجاءه منها بتمر جنيب « 2 » ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أكلّ تمر خيبر هكذا ؟ » فقال : لا واللّه يا رسول اللّه إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين بالثلاثة ، فقال : « لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا » « 3 » . العبر والعظات : أول ما ينبغي أن يسترعي انتباهنا من أمر هذه الغزوة ، ملاحظة الفرق بين طبيعتها ، وطبيعة الغزوات السابقة التي تحدثنا عنها . لقد كانت الغزوات السابقة كلها قائمة على أسس دفاعية ، اقتضت المسلمين أن يدافعوا بها عن وجودهم وأن يردوا بها هجمات أعدائهم ، كما قد رأيت . . لدى بيان سبب كل غزوة منها . أما هذه الغزوة ، وهي أول غزوة تأتي بعد وقعة بني قريظة وصلح الحديبية ، فإن لها وضعا آخر ، وإنها لتختلف اختلافا جوهريا عن تلك التي كانت من قبلها ، وهي تدل بذلك على أن الدعوة الإسلامية قد دخلت في مرحلة جديدة من بعد صلح الحديبية . فغزوة خيبر أول غزوة بدأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأغار بها فجأة على اليهود الذين استوطنوا بقاع خيبر ، دون أن يبدأوا المسلمين بأي محاربة أو قتال . لقد كان السبب الوحيد لها هو دعوة اليهود إلى الإسلام ، ومحاربتهم على كفرهم وعنادهم عن قبول الحق وأحقادهم المعتلجة في صدورهم على الرغم من الدعوة السلمية التي قامت مدة طويلة على الأدلة والبراهين ، ولذلك بات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الليلة الأولى من وصوله إلى خيبر دون أن يشعر أحدا بوجوده أو أن يقاتل أحدا ، وانتظر حتى إذا أصبح ولم يسمع أذانا إلى الصلاة - وهي الشعيرة الإسلامية الكبرى - أغار عليهم وقاتلهم على ذلك ، وقد قلنا إنه كان إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار .

--> ( 1 ) خبر قدوم جعفر بن أبي طالب واشتراكه في الغنائم من رواية البخاري وغيره وليس في البخاري تفصيل كيفية استقباله صلى اللّه عليه وسلم له . ( 2 ) التمر الجنيب هو التمر الجيد . ( 3 ) رواه البخاري وانظر فتح الباري : 7 / 347 ، والجنيب : الجيد من التمر .